بصراحة .. الحوار الداخلي و”فلاليس” العثماني

آخر تحديث : الأربعاء 4 يوليو 2018 - 11:04 صباحًا
محمد عصام

انطلقت نهاية الأسبوع الماضي، الندوة الوطنية الأولى للحوار الداخلي لحزب العدالة والتنمية، بهدف إدارة تواصل داخلي تفعيلا لمخرجات المؤتمر الوطني الثامن، وإقرارا بضرورة تملك قراءة جماعية في الحد الأدنى، للمرحلة الفاصلة بين المؤتمرين الأخيرين، وتحديدا منها فترة البلوكاج الحكومي وإعفاء الاستاذ عبد الإله ابن كيران بعد إفشال مساعيه في تشكيل الحكومة ، وما أعقب كل ذلك من اختيارات كانت مناط اختلاف ساد داخل الحزب وما يزال.

حوارٌ أريد له أن يكون بلا سقف مفتوحا على كل الخيارات، مادام الهدف هو الالتقاء على أرضية مشتركة في تقييم المرحلة والتدبير الجماعي لسؤال المستقبل الذي سيتشكل من صلب هذه القراءة، ولئن كان هذه الأهداف محط إجماع أبناء الحزب، ومطلبا عبرت عنه مخرجات المؤتمر الوطني الثاني، فإن المنهجية التي تبنتها الأمانة العامة لتنزيل هذا الحوار لاقت معارضات هنا وهناك، مما يجعلنا نقول بغض النظر عما يمكن أن نسجله من اتفاق حول تلك الملاحظات أو اختلاف معها، أنه لايمكننا إلا أن ننوه بهذا المنهج الذي اعتمده العدالة والتنمية من خلال هذا الحوار وبغيره من الآليات، في تدبير الخلافات التي قد تخترق بنيته التنظيمية وقد تشوش على مواقفه وتعيق خطوه، وتزداد جدارة هذه الاشادة إذا تأملنا الصحراء التي تجتاح المشهد السياسي الوطني يسارا ويمينا، حيث لا يُسمع إلا دوي “الصحون المتكسرة”، أداة لإدارة الخلافات، وفي أحسن الأحوال، رفع شارة ” أرض الله واسعة” ملاذا في وجه المنتقدين، مما أنتج سيرورات من التجزيء والتشظي لاتكاد تنتهي حتى تلد في رحمها دوامات جديدة من الانشقاقات والانشقاقات المضادة.

لكن اللافت في هذه الندوة الأولى من الحوار الوطني، محاولة بعض الجهات غير البريئة تبخيسها عبر آلية الحجب، والتركيز على جزئية صغيرة بعد سحبها من سياقها العام، وتوجيه وتأليب الرأي العام من خلالها ضد الحوار وضد حزب العدالة والتنمية، فحتى قبل معرفة مضامين الندوة، و إتاحة الفرصة لتتبع فقراته، قُذق إلى الإعلام بحمم من قبيل ” العثماني يصف منتقديه بالفلاليس المسخوطة” وغيرها، وحتى لا ينطلي علينا خبث هذه الآلية نورد الملاحظات التالية:

– لقد قدم الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في كلمته موضوع ” الاشتباك” ، أرضية تأطيرية للحوار الداخلي، من حيث التذكير بأهدافه والجدوى من تنظيمه، مع الالحاح على أنه حوار مفتوح على كل وجهات النظر وبدون سقف متحكم فيه، وأن الهدف منه هو الإصغاء لكل التوجهات التي تخترق الحزب والتقييمات التي قد تصل درجة التناقض بخصوص المرحلة موضوع الحوار واختياراتها، وبذلك كانت كلمته منهجية بالأساس ولم تتدخل بالمطلق في المضمون، وهو أمر مبرر من جهتين، الاولى أن القيادة هي من يرعى هذا الحوار فوظيفتها الأصلية هو الاستماع لوجهات النظر قبل التعقيب عليها، وثانيها أن مضمون الحوار مؤطر من خلال المحاور التي قسمت إليها محطات الحوار الخمس وبالاوراق التي ستعد من طرف مجموعة من مناضلي الحزب لمقاربة قضايا المضمون ومحاوره.

– في إطار توجه الكلمة المنهجي، أورد العثماني مثلا أمازيغيا، صيغته المتعارف عليها هي ” يا واش أيتلين نگر إكياوين إنغلاسن أمان” وترجمته الحرفية هي ” (منحوس) واحد يكون بين (الفلاليس) يكون سببا في صب مائهم وإتلافه” ، والذين حملوا هذا المثل مالم يحتمل رأوا فيه تبرما للعثماني من النقد، وأن صدره ضاق به الى درجة اعتبار منتقديه ب ” الفلاليس” والحقيقة غير ذلك تماما فالعثماني ميز بين الانتقاد والإساءة والتجريح، واعتبر الاول مطلوبا بل واجبا، وأنه منفتح على كل نقد وبدون سقف، في حين اعتبر الاساءة للاشخاص خطا أحمر، فإذا كان النقد مؤشرا على رجاحة الحجة واتساع الافق، فإن الاساءة على طرف نقيض ذلك جملة وتفصيلا، يلجأ إليها العاجز وقليل الحجة عديم الدليل، والإساءة عوض أن تكون جسرا نحو التلاقي وبناء التوافق، فهي تبني حواجز نفسية بين منتجها والمعني بها، وتجعل عملية الاقناع مستحيلة

– البعض توقف عند العدد الذي تعمد العثماني ذكره وهو يتحدث عن بعض المسيئين، فبنى على ذلك استنتاجات غاية في الغرابة، من قبيل أن الأمين العام منشغل بإحصاء ما يكتب عنه وعن قيادة الحزب الى درجة تمكنه من ضبط هؤلاء الخمسة والعشرين متلبسين، بل إن البعض طفح به الخيال إلى درجة دعوته إلى إنشاء هيئة تحصي الأنفاس، وتتعقب التدوينات، من قبيل مصلحة تشخيص مصلحة النظام، والحال أن مراد العثماني هو التقليل من حجم هؤلاء المسيئين للحزب وقياداته، أما الرقم فهو تقريبي للدلالة على هذا الحجم، وهو بذلك يريد أن يهون من حجم الاساءة والتجريح داخل الحزب، وأن الاصل الذي يركن إليه عموم أبناء العدالة والتنمية، هو الانضباط لقواعد الاختلاف كما هي في منطلقاتنا العقدية وتوافقتنا التنظيمية.

الخلاصة أننا يجب أن نعتبر أن الشروع في الحوار هو إنجاز في حد ذاته، وأن من الحكمة أن لا نستبق فشله ولا أن نمني أنفسنا بعدم نجاحه، بل أن نسهم في إنجاحه من كل المواقع بغض النظر على الملاحظات التي يمكن أن تكون لدينا حول منهجيته أو المشاركين فيه ، وإن لم نستطع فعلى الأقل أن ننتظر صدور مخرجاته لتكتمل الصورة أمامنا ويصير مباحا لنا تقييم خلاصاته

2018-07-04 2018-07-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

adminatoh