توجهات المرحلة

توجهات المرحلة

كما صادق عليها المؤتمر الوطني الثامن المنعقد يومي 09 و10 دجنبر 2017

تقديم

يأتي تنظيم المؤتمر الوطني الثامن لحزب العدالة والتنمية في سياقات وطنية وإقليمية ودولية دقيقة. وهو ما يستدعي التحلّي، أكثر من أي وقت مضى، بالقدر الكافي من العمق في تقدير رهانات اللحظة السياسية والوعي بإكراهاتها، وتحري الصواب في التعبير عن الانتظارات والتطلعات المجتمعية، والاستحضار الدائم للمسؤولية الملقاة على حزبنا، بما هو حزب وطني أسس اختياراته السياسية على الالتزام بخط النضال والبناء الديمقراطي المعبِّر عن هموم المواطن والذي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وذلك وفق منهج إصلاحي وخبرة نضالية ممتدة، بصبر ومثابرة لأكثر من عقدين ظهرت نتائجهما وثمارهما الإيجابية التي بوأت الحزب تدريجيا، موقعا معتبرا في الحياة السياسية المغربية.

وحيث إن ” البناء الديمقراطي ” باعتباره أطروحة تبناها المؤتمر الوطني السابع هو مسار طويل يحتاج إلى بناء تراكمي، مما يجعل راهنيته متواصلة في جدول أعمال الحزب، مما عكسه شعار مؤتمرنا الثامن ” جميعا لمواصلة البناء الديمقراطي”، فإن هذه الورقة تسعى لتحديد أهم التوجهات التي من شأنها تجسيد هذا الشعار عبر محددات عامة لنضالنا السياسي خلال المرحلة المقبلة على أن يتواصل الحوار الداخلي من أجل تدقيقها وتحويلها  أرضية سياسية تمكن من امتلاك أدوات مشتركة في التحليل السياسي وتقييم الواقع من حولنا واتخاذ ما يلزم من المواقف، وأيضا لتحيزها إلى منطلق في التأطير وتكوين فهم وثقافة سياسيين مشتركين  وهو ما يتعين مواصلة القيام به بعد المؤتمر عبر الفضاءات والآليات المؤسساتية المناسبة.

أولا : معطيات دالة في المرحلة السابقة

يبدو من الضروري أولا وقبل تحديد تلك التوجهات استرجاع عدد من العناصر والمعطيات المرتبطة بالمرحلة الفاصلة بين المؤتمرين سواء تعلق الأمر بالسياق الوطني أو بالسياق الدولي والوقوف عند الخلاصات والدروس المستخلصة منها.

1-    معطيات في السياق الوطني

لقد تميزت المرحلة التي نودعها بعدة معطيات ومتغيرات من أهمها:

‌أ. مكتسبات مهمة في التجربة الحكومية:

خاض الحزب تجربة متميزة في تدبير الشأن الحكومي، نظرا لما ترتب عنها من إنجازات نوعية وما حققته من مكتسبات على عدة أصعدة بالرغم مما تعرضت له من استهداف من خارج الحكومة ومن داخلها.

ولقد برهن الحزب من خلال تدبيره الحكومي على روح المسؤولية والجدية والنزاهة في الأداء، وهو رصيد أساسي للحزب يجب الحرص عليه وتنميته في مختلف المواقع والمسؤوليات.

كما استطاعت التجربة الصمود والاستمرار بالرغم مما تعرضت له من إكراهات وواجهتها من تحديات، وبما توفر لها من احتضان شعبي، وما توفر لها من مصداقية لدى عموم المواطنين، وما حققته من إنجازات كبيرة بالنظر إلى السياق والظروف التي اشتغلت فيها والتحديات التي واجهتها، مما أهلها والحزب الذي قادها للحصول على ثقة المواطنين، سواء خلال الانتخابات الجماعية والجهوية أو الانتخابات التشريعية.

وقد أصبحت التجربة أيضا محط تقدير وتتبع من قبل عدد من المراقبين من حيث إنها تؤكد الاستثناء المغربي في التعاطي الإيجابي مع حزب سياسي ينطلق من المرجعية الإسلامية الجامعة، وفتح المجال له للعمل في نطاق القانون والانخراط بسلاسة  داخل المؤسسات، حزب مدني يشتغل داخل الإطار المؤسساتي للدولة، وفي نطاق الضوابط الدستورية والثوابت الوطنية، إلى درجة تبوئه رئاسة الحكومة ومشاركته في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي.

ويمكن إجمال أهم المكتسبات التي حققتها حكومة الأستاذ عبد الإله ابن كيران فيما يلي:

– إعادة الاعتبار للعملية السياسية وجاذبيتها وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وتنامي الوعي السياسي وخلق مصالحة بين فئات عريضة من الشعب وبين الخطاب السياسي داخل المؤسسات وتوسع اهتمام وتتبع وانخراط المواطنين بالشأن السياسي؛

-العمل على استكمال البناء الدستوري والمؤسساتي من خلال إخراج معظم القوانين التنظيمية وعدد من المؤسسات الوطنية التي نص عليها الدستور؛

-تدشين عدة إصلاحات جوهرية على مستوى محاربة الفساد وتعزيز الحكامة والشفافية وتقوية حقوق الإنسان والحريات العامة؛

-الإصلاحات المهمة في قطاع العدالة وإخراج الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة؛

-إنجاز إصلاحات هيكلية لإصلاح الاقتصاد واستعادة التوازنات الماكرو- اقتصادية من أجل إنقاذ الاقتصاد الوطني وعدد من المؤسسات ومنها مثلا مباشرة إصلاحات لإنقاذ نظام المعاشات المدنية في أفق إصلاح شامل لمنظومة التقاعد وإصلاح نظام المقاصة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح  للشرب؛

-الرفع المتواصل من حجم الاستثمار العمومي وتعزيز جاذبية المغرب في مجال جلب استثمارات الأجنبية من خلال عدد من التدابير التي نتج عنها تحسن ترتيب المغرب في المؤشرات الدولية (مؤشر التنافسية العالمية/ DOINGBUISNESS)؛

-ضمان استمرارية خدمات المرفق العمومي واستعادة انتظامها بوضع حد للإضرابات العشوائية؛

-بلورة سياسات واتخاذ عدة تدابير شجاعة وإجراءات نوعية تهم الفئات الأكثر هشاشة والأقل حماية.

وبالرغم من كل الإنجازات التي تحققت، فإن الحزب كان وما يزال واعيا أن طريق الإصلاح طويل ومعقد، وتحتاج مواصلته وتجاوز العقبات والمقاومات التي تعترضه إلى إرادات قوية وتوافقات مستمرة مع كل الفرقاء والشركاء حيث ما تزال قضايا ترتبط بالتوزيع العادل لثمار النمو وتحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم في سلم التنمية البشرية وتحقيق العدالة المجالية وتأمين الحقوق الاجتماعية الأساسية مثل الحق في الصحة والحماية الاجتماعية والحق في التعليم وفِي الشغل على جدول الأعمال، وهي كلها نتاج تراكمات وسياسات لم تُوَلَّ ما يكفي من اهتمام، مما يتعين معه العمل على مراجعة النمو بما يجعله نموا مستداما ومدمجا لجميع الجهات والفئات.

‌ب. مقاومات وعراقيل:

إذا كان المناخ السياسي في السنتين الأولى والثانية من التجربة الحكومية قد بقي تحت تأثير الانتفاضات العربية، ويبشر بالانتقال نحو مزيد من الدمقرطة وتحقيق تطلعات شعوب المنطقة في الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإنه سرعان ما ستستعيد القوى القديمة المبادرة، وتظهر مقاومة شرسة للإصلاح ستنجم عنها اضطرابات في عدد من الدول انتهى بعضها بانقلابات عسكرية، ووصل في حالات أخرى إلى قيام حروب أهلية، وأحيانا إلى توافقات صعبة مع  تلك القوى القديمة.

أما على المستوى الوطني فقد ظهرت توجهات تشتغل وفق تصور مفاده أن “الربيع المغربي” هو مجرد قوس قد فتح سرعان ما سيتم إغلاقه، وأن العمر الافتراضي للحكومة التي كان يقودها حزب العدالة والتنمية محدود، كما ظهرت مؤشرات سلبية لا تبعث على الأمل في سلامة المسار الديمقراطي في بلادنا، من بينها الاستمرار في إضعاف الأحزاب السياسية والتدخل في شؤونها، وتبخيس دور المؤسسات التمثيلية.

وقد عبَّر هذا التوجه عن نفسه من خلال حملات منظمة وشرسة ضد التجربة الحكومية الناشئة، استعملت فيها كل أساليب التشويش والتبخيس والافتراء عليها وعلى الحزب الذي يقودها، فضلا عن محاولة إرباكها من الداخل، وهو ما انتهى بأزمة داخل الأغلبية الحكومية وأسفر عن أول “بلوكاج” دام عدة شهور قبل أن يعاد تشكيل أغلبية جديدة سيعرف معها العمل الحكومي انطلاقة جديدة.

وفي نفس السياق تعرض الحزب إلى حملات متتالية للنيل من مصداقيته ومصداقية أعضائه، والتشكيك أحيانا في ولائه الوطني، على أمل أن يصل مُنْهَكا إلى الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية التي جرى تأخيرها ثلاث سنوات.

وقد جربت من أجل تحقيق ذلك عدة وسائل منها: السعي لتأجيج الاحتجاجات الاجتماعية بمحاولة استغلال بعض القضايا الاجتماعية الحساسة مثل كلفة فواتير الماء والكهرباء، وإخراج مسيرات مفتعلة ومجهولةٌ هويةُ المسؤول سياسيا عنها بالنسبة لبعضها، ومجهولةٌ أهدافها لدى المشاركين فيها.

غير أن كل ذلك لم يزد الحزب إلا إشعاعا وقوة، وهو الأمر الذي اتضح جليا من خلال النتائج غير المسبوقة في الانتخابات الجماعية والجهوية لـ 04 شتنبر 2015 والانتخابات التشريعية لـ 07 أكتوبر 2016، حيث سيتمكن الحزب من تحمل مسؤولية عدد مقدر من الجماعات الترابية منها جل المدن الكبرى للمملكة، كما تمكن ولأول مرة في التاريخ السياسي للمغرب أن يكلف برئاسة الحكومة مرتين متتاليتين.

والأمر الأكبر دلالة من الناحية السياسية هو ما أسفر عنه الاستحقاقان الانتخابيان من تزايد في الوعي السياسي العام وتراجع في تأثير الوسائل المعهودة التي كانت تستخدم للتأثير في اختيارات الناخبين والتحكم في الخريطة السياسية عبر الاستخدام المكثف وغير المشروع للأموال، وتراجع تأثير الولاءات القبلية وشبكات السمسرة الانتخابية، وتكمن أهمية ذلك التراجع في كونه لم يشمل المدن الكبرى فقط بل إنه امتد إلى عدد من المناطق القروية التي كانت تعتبر خزانا انتخابيا يمكن من التحكم في الخريطة الانتخابية.

كما أظهر هذا المسار الانتخابي الفشل الكبير للحزب المعلوم في احتلال المرتبة الأولى في انتخابات 07 أكتوبر 2016 وفي تصدر المشهد الحزبي الوطني كما كان يُمَنِّي نفسه وغيره، على الرغم من كل الإمكانيات والترتيبات التي تمت من أجل ذلك، وهو الأمر الذي عجَّل بارتباك وانتهاء صلاحية مشروع هذا الحزب وما مثَّله من واجهة للتحكم في المشهد الحزبي والسياسي الوطني.

وقد كانت تلك النتائج غير المسبوقة نتيجة لعمل كل مناضلي الحزب وأداء منتخبيه في العمل الجماعي والبرلماني وممثليه في العمل الحكومي وفي مقدمتهم الأخ الأمين العام والدور المتميز الذي اضطلع به في العمل التواصلي مع المواطنين وتقريب مفردات السياسة إليهم.

‌ج.  مساعي الانقلاب على نتائج الانتخابات

ومباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات بدأت تظهر مؤشرات ومحاولات للانقلاب المبكر على نتائجها، بما يؤدي إلى عزل حزب العدالة والتنمية الذي تصدر الانتخابات والدفع نحو سيناريوهات تشكيل حكومة دون قيادته لها أو مشاركته فيها، والعمل على التأثير في عملية تعيين رئيس الحكومة خارج المنطق الدستوري.

وفِي هذا الصدد وجب التنويه إلى أن صاحب الجلالة قد بادر مباشرة بعد إعلان النتائج الانتخابية، وفي احترام للمقتضيات الدستورية، إلى تعيين الأستاذ عبد الإله ابن كيران الأمين العام للحزب المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها.

ومنذ أن شرع رئيس الحكومة المعين في مشاوراته ظهرت عدة مؤشرات توحي أن مسار التفاوض لن يكون سهلا، كما ظهرت اشتراطات متتالية تؤكد ذلك المنحى من قبيل الاعتراض على مشاركة حزب أو اشتراط دخول حزب آخر أو التفاوض ككتلة مكونة من أربعة أحزاب، ورفض اعتماد الأغلبية السابقة منطلقا لتشكيل الحكومة واعتماد مرشح منها لرئاسة مجلس النواب.

ودون الدخول في تفاصيل المفاوضات وتقلباتها وتقلبات مواقف أفرادها، وهي أحداث أهمها معروف وحظي بمتابعة واسعة من قبل الرأي العام الوطني، فإن الحصيلة النهائية كانت هي وصول مشاورات تشكيل الحكومة إلى الباب المسدود، ولا يتحمل رئيس الحكومة المعين المكلف بتشكيلها هو ولا حزبه مسؤولية ذلك.

غير أن ظروف استعداد المغرب لرهان العودة إلى الاتحاد الإفريقي وما اقتضته من مصادقة البرلمان على مشروع قانون يصادق بموجبه على الميثاق التأسيسي للاتحاد المذكور، شكلت معطى جديدا أسهم في الإسراع بانتخاب رئيس لمجلس النواب من خارج تلك الأغلبية السابقة.

وبعد أخذ ورد، وبعد ما يقارب ستة أشهر من تلك المفاوضات جاء التدخل الملكي، حيث أعفي الأستاذ عبد الإله ابن كيران، وعين رئيس الحكومة من حزبنا في شخص الدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني.

‌د.    تداعيات تشكيل الحكومة الجديدة

على الرغم من أن إعفاء الأخ الأمين العام الأستاذ عبد الاله ابن كيران كان صعبا ومؤلما بالنسبة لعموم الأعضاء والمتعاطفين وكثير من المواطنين، إلا أن ذلك لم يمنع الحزب من أن يتحمل مسؤوليته في التعاطي مع هذه المعطيات الجديدة، إذ قرر مجلسه الوطني المنعقد عقب تعيين الدكتور سعد الدين العثماني من قبل جلالة الملك رئيسا للحكومة التعامل إيجابا مع التعيين الملكي، حيث أكد البلاغ الصادر عنه على جملة أمور منها:

-تفويض الأمانة العامة بمواكبة الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المعين في عملية تشكيل الحكومة على أن تأخذ بعين الاعتبار توفر الحكومة على مواصفات القوة والانسجام والفاعلية مع مراعاة المقتضيات الدستورية والاختيار الديمقراطي والإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال الانتخابات التشريعية الماضية وأن تحظى بثقة ودعم جلالة الملك؛

-تفويض الأمانة العامة في اتخاذ كافة القرارات اللازمة من أجل مواكبة مشاورات رئيس الحكومة المكلف بتشكيلها في إطار المنهجية التي عبر عنها الحزب والمعطيات التي ستفرزها جولات التفاوض؛

-تأكيد حرص الحزب على تعزيز الاختيار الديمقراطي وتغليب منطق التوافق في نطاق لا يمس بثوابت البلاد ومقوماتها الأساسية.

وينبغي أن نسجل هنا مواصلة اضطلاع هيئات الحزب بمسؤولياتها كاملة فيما يتعلق باختيار مرشحي الحزب بالنسبة للمناصب الحكومية سواء تعلق الأمر بالمجلس الوطني الذي صادق على مسطرة اختيار مرشحي الحزب للمناصب الحكومية، أو عبر تفعيل هذه المسطرة من خلال انعقاد اللجنة المكلفة بعملية ترشيح قائمة موسعة للمناصب الوزارية وفقا لمقتضيات تلك المسطرة، أو من خلال قيام الأمانة العامة بعملية الترشيح للمناصب الحكومية التي كان متوقعا أن تسند للحزب وفق مقتضيات نفس المسطرة، ثم أخيرا قيام فريق العدالة والتنمية بدوره كاملا في التصويت بالإيجاب على البرنامج الحكومي وتنصيب الحكومة.

وقد تلا ذلك مشاورات وتطورات أفضت إلى الإعلان عن أغلبية وحكومة جديدة وتنصيبها برلمانيا، وانطلاق تجربة تدبير العمل الحكومي للمرة الثانية برئاسة العدالة والتنمية.

‌ه.  اختلاف في مخرجات التفاوض من أجل تشكيل الحكومة ومقاربة لتجاوزه:

لقد ظهرت بعد الإعلان عن تشكيلة الحكومة رغم ذلك تباينات في وجهات النظر على مستوى تقييم مخرجات التفاوض، انعكست بوضوح على سير بعض مؤسسات الحزب وعلى دورها في التأطير الفكري والسياسي للمناضلين، ومواكبة تطورات الوضع السياسي وتحليله بطريقة جماعية، وفي تفعيل ما كان قد طالب به المجلس الوطني المنعقد بتاريخ 16يوليوز 2017 في بيانه الختامي، حيث كان قد أكد على عدة أمور منها على الخصوص:

-أهمية وأولوية المحافظة على التماسك التنظيمي للحزب حتى يواصل الاضطلاع بدوره داخل المشهد السياسي؛

– اعتبار مؤسسات الحزب هي الفضاء الأنسب لأي تقييم لعمل الحزب وتوجهاته وقراراته؛

– العمل على تجاوز تداعيات المرحلة السابقة من خلال امتلاك قراءة جماعية وتقييم شامل للمرحلة الفاصلة بين المؤتمرين السابع والثامن وخاصة المرحلة التي أعقبت مرحلة ما بعد انتخابات السابع من أكتوبر.

وحيث إن الحاجة ماسة إلى مواصلة القيام بقراءة جماعية موضوعية ودقيقة للمرحلة الأخيرة، وأن قراءة من هذا النوع تستدعي وضعها في إطار تقييم شامل لأداء الحزب خلال الخمس سنوات السابقة، بما يقتضيه ذلك من تشخيص لمجمل الوضع السياسي المتحرك ووضعية الفاعل الحزبي، وتقييم المسار الإصلاحي الذي أعلن عنه وتشخيص حصيلته الإجمالية، فإن هذا الموضوع يبقى مطروحا في جدول الأعمال ويتعين برمجته بعد المؤتمر الوطني الثامن، مع التذكير بالضوابط التالية:

-الانطلاق من مسلَّمَة أن تدبيرنا السياسي في هذه المرحلة -أيا كان تقييمنا له كما في غيره- هو تدبير اجتهادي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، وأن تقييمه ينبغي أن يكون بعيدا عن لغة الاتهام أو التخوين أو التصنيفات والتوصيفات الجاهزة أو المسيئة؛

-الإقرار بالمسؤولية الجماعية عن هذا التدبير، واستعداد الجميع لتحمل نصيبه من تلك المسؤولية؛

-العمل على المحافظة على لُحْمَة الحزب وإنعاش العمل بقيمه المؤسِّسَة وسد الباب أمام كل من يتربص بالحزب ويسعى لتوسيع شقة الخلاف بين أعضائه.

2-    معطيات في السياق الإقليمي والدولي

يتعين أن نسجل على هذا المستوى عدة تحولات دالة منها:

–              تواصل منحى التراجع على مستوى الخيار الديمقراطي وعودة القوى المعادية للإصلاح في المنطقة، والمعادية للمشاركة السياسية للأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، مع تواصل التوجهات والتطلعات الشعبية للحرية والكرامة وتنامي الوعي الاجتماعي بأولوية مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وتزايد الطلب على الديمقراطية من قبل شعوب المنطقة وفي منسوب وعيها السياسي وقدرتها على التعبير.

ولقد أسهم في هذا التحول المتنامي الانتشار الواسع لاستعمال وسائل التواصل الحديثة وما وفرته من إمكانيات جديدة للتواصل والتعبير وتداول المعلومات والتحاليل، وما ارتبط به من تحول في نمط التأطير السياسي وهو ما شكل عاملا مساعدا في ظهور بوادر لتشكل رأي عام يكتسي أهمية بالغة في التطور نحو الديمقراطية؛

-تصاعد حالة من الفوضى واللانظام في تأطير السياسة الدولية، حيث تسود حالة من اضطراب الرؤى والتقديرات الاستراتيجية للفاعلين المركزيين في السياسة الدولية والإقليمية في المنطقة، فضلا عن اضطراب الأدوار وعدم استقرارها وانكماش بعض القوى الدولية وتقدم بعضها الآخر، والتأرجح بين خيارات التسوية والعودة لنقاط التوتر، وتراجع اتجاهات حل النزاعات؛

– تنامي التحديات الأمنية وتوسع دائرة التجنيد للشبكات الإرهابية، والنجاح في استقطاب المواطنين الأوربيين، مما غير كثيرا من معطيات الظاهرة الإرهابية وجعل المقاربة المعتمدة للتصدي لها ومكافحتها موضع مساءلة تجاوزت المقاربات الأمنية ليشمل النموذج التربوي والثقافي وسياسات الإدماج في أوروبا وغيرها وقدرتها على تحصين المواطن الغربي من اختراقات فكر الغلو والتطرف؛

– أما على المستوى الاقتصادي فيعيش الوضع الدولي حالة من التقلبات في الأسواق العالمية وخاصة التقلبات في أسعار الطاقة والحِدَّة في المنافسة العالمية، وتناقضا متواصلا في المصالح الدولية وتضاؤلا في قدرة الحكومات على تأطير مصالح جماعات ولوبيات المصالح، كما استقطبت القارة الأفريقية مزيدا من الاهتمام باعتبارها قارة صاعدة، ومنطقة جذب للاستثمارات الخارجية، ومنطقة صراع ونفوذ اقتصادي أثمر في بعض التطورات حالة تنافس وصراع حاد حتى بين الدول الصديقة؛

-التطور المتسارع في تكنولوجيا الاتصالات وثورة المعلومات الذي أصبح يطرح عدة تحديات منها ما هو مرتبط بالفجوة الرقمية بين الدول وبين الأجيال داخل نفس الدولة، وبعضها مرتبط بالتغير المتسارع في أنماط العمل وعلاقات الإنتاج، في حين يرتبط بعضها بمسايرتها بالتأطير القانوني وبالبعد الأمني في مستوياته المختلفة، سواء منها الاقتصادي أو التجاري أو الإداري أو المصرفي أو ما يرتبط بتأمين الحدود، ومواجهة الجرائم العابرة لها والتصدي للظاهرة الإرهابية، هذا دون أن نغفل البعد الثقافي والقيمي، والذي بات يطرح إشكالات مستعصية يصعب مواجهتها دون أن يتبلور مفهوم جديد للأمن الثقافي والقيمي.

ثانيا :منطلقاتنا حزبنا ومقاربته للإصلاح

خلال المؤتمر الوطني السابع سنة 2012 والذي انعقد بعد شهور من تحمل الحزب للمسؤولية الحكومية،  وجد الحزب نفسه في مواجهة مسؤولية تنزيل مقتضيات الدستور الجديد ومباشرة عدد من الإصلاحات المؤسساتية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولذلك اعتمد حزبنا أطروحة سياسية جديدة تحت عنوان: “شراكة فعالة في البناء الديمقراطي من أجل التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية “، على أساس أنها مستوعبة ومتجاوزة لأطروحة ” النضال الديمقراطي” التي مثلت الجواب الجماعي للحزب سنة 2008 على ما وصفته ذات الأطروحة بالسيناريو التراجعي.

وقد أكدت أطروحة المؤتمر الوطني السابع على أن “هناك حاجة للانتقال من أطروحة النضال الديمقراطي إلى أطروحة البناء الديمقراطي باعتباره مستوعبا للنضال الديمقراطي ومضيفا له مسؤوليات ومهام يفرضها موقع التدبير في الحزب”.

لقد ترجمت أطروحة المؤتمر السابع التفاعل الإيجابي للحزب مع مجموعة من المتغيرات النوعية التي كان أبرزها ما شهده المسار السياسي المرتبط بالربيع الديمقراطي، باعتباره حراكا مناهضا لجيوب الفساد والاستبداد ومعبرا عن تطلعات شعوب المنطقة في التحول الكامل نحو الديمقراطية.

كما ثمنت تلك الأطروحة تفاعل الحزب بطريقته الخاصة مع مطالب الحراك المغربي حيث تبنى ودعم مطالبه المشروعة من خلال الانخراط في “نداء الإصلاح الديمقراطي”وفعالياته المختلفة في عدة جهات من المغرب وقد أنتجت تلكم المقاربة شعارا جامعا ومؤطرا لعمل الحزب وتفاعله مع استحقاقات المرحلة ألا وهو ” “الإصلاح في ظل الاستقرار”.

وجاءت المبادرة الملكية بالإعلان عن حزمة من الإصلاحات تجاوبت مع مطالب الشارع المغربي، حيث دخل المغرب في ورش الإصلاح الدستوري الذي انتهى بإقرار دستور جديد متقدم في كثير من مضامينه وفِي الآفاق الإصلاحية التي يفتحها على مستوى ترسيخ دولة الحق والقانون.

وعلى إثر ذلك نظمت انتخابات تشريعية مبكرة يوم الخامس والعشرين من نونبر2011، خاضها حزبنا مستلهما مطالب الشارع المغربي تحت شعار: ”صوتنا فرصتنا ضد الفساد والاستبداد”، وهي الانتخابات التي أسفرت عن تصدر حزبنا للمشهد السياسي في سياق دستوري جديد ومختلف، مما مكنه من خوض تجربة سياسية متميزة تحمل فيها مسؤولية تدبير الشأن العام الوطني.

واليوم تظل المضامين والتوجهات الرئيسية الواردة في أطروحة المؤتمر الوطني السابع ذات راهنية على اعتبار أن البناء الديمقراطي بناء تراكمي طويل الأمد، لا يسير بالضرورة في منحنى خطي تصاعدي، وعلى اعتبار أن أطروحة البناء الديمقراطي مستوعبة لأطروحة النضال الديمقراطي، وأن العمل الحكومي والبرلماني من موقع الأغلبية وتدبير الجماعات الترابية هو واجهة من واجهات النضال والبناء الديمقراطيين.

1-    منطلقات تصورية:

يتعين أيضا التذكير ببعض المنطلقات التصورية التي سبق تضمينها في “البرنامج العام” للحزب، وفِي أطروحتي المؤتمرين السادس والسابع والتي ما تزال لها راهنيتها ودورها الأساسي في منهجية تعامل الحزب مع الواقع السياسي، وفي هذا الصدد يتعين الإشارة إلى المنطلقات التالية:

-خيار المشاركة المؤسساتية وما يتطلبه ذلك من نضال لتحسين شروط المشاركة سواء تعلق الأمر بالضمانات القانونية والإدارية لضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية وإفرازها لمؤسسات مسؤولة وذات مصداقية، أو تعلق الأمر بتعزيز صلاحيات هذه المؤسسات وطرق تدبيرها، وهذا يقتضي كما جرى بذلك عملنا ألا ننتظر نضج الشروط المثالية والكاملة من أجل المشاركة، ذلك أن النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات مدخل من مداخل تحسينها. (أطروحة المؤتمر الوطني السادس)؛

-الوعي بالطبيعة المعقدة والمركبة لعملية الإصلاح وهو ما أكدته وثيقة “البرنامج العام” عند تأكيدها على مبدأ التعاون مع قوى الإصلاح داخل المجتمع حيث تقول: ”… مهمة الإصلاح مهمة معقدة … تحتاج إلى تكاثف كل القوى الإصلاحية التي تسعى إلى خير البلاد والتي تؤمن بالديمقراطية والتغيير السلمي. فمتطلبات التغيير والإصلاح أكبر من أن تدعي منظمة سياسية أو حزبية واحدة القدرة على النهوض بمتطلباتها “.

-نهج التدرج والتراكم، “فمن المبادئ الموجهة لرؤيتنا السياسية مبدأ التدرج والتراكم الذي هو سنة تحكم الظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، ومراعاة هذا القانون في مجال الإصلاح السياسي والاجتماعي أولى، حيث تتميز الظواهر الاجتماعية بطابعها المعقد والتراكمي”.

-مبدأ الشراكة منهجا للبناء الديمقراطي، حيث أكدت أطروحة المؤتمر السابع على الشراكة باعتبارها خيارا استراتيجيا للحزب من منطلق أن مستقبل الوطن يصنعه أبناؤه جميعا، شراكة مع المؤسسة الملكية وتوافق الإرادة الملكية والإرادة الشعبية، وأن أي ارتباك في العلاقة بين الملكية والنخب وعموم الشعب يؤدي إلى إشكالات حقيقية تعيق التقدم والاستقرار. وشراكة أيضا مع الأحزاب السياسية تقوم على تعزيز دورها وتقويتها والتصدي لكل أنواع التحكم فيها، وشراكة كذلك مع المجتمع المدني على اعتبار أن البناء الديمقراطي ليس مسؤولية الدولة فحسب بل هو مسؤولية المجتمع أيضا وكفاح يومي ينبغي أن يترسخ في مؤسسات المجتمع، وهي أيضا شراكة مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين (أطروحة المؤتمر الوطني السابع).

2-    في مقاربة حزبنا للإصلاح

لقد ظل تاريخنا السياسي محكوما لأكثر من عقدين بثنائية تتميز من جهة بمنطق رافض للتسليم بشرعية النظام السياسي بالنسبة للبعض، بينما ارتبط التمسك بتلك الشرعية والاشتغال من داخل المؤسسات لدى البعض الآخر بتحقيق مصالحه وتحقيق امتيازات ذات طبيعة ريعية.

وبقدر ما كان التوجه الأول يستمد مشروعيته من المطالبة بإصلاحات جذرية والدخول أحيانا في مواجهات مع الدولة، واعتماد موقف رافض للمؤسسات القائمة، ورافض للتسليم بشرعيتها والمطالبة بإصلاحات دستورية جذرية، عمل التوجه الثاني على استمداد تلك المشروعية من القيام بدور وظيفي يتمثل في إقامة نوع من “التوازن” مع التوجه الأول، مستفيدا في ذلك من دعم وإسناد الإدارة في الاستحقاقات الانتخابية، ومن تلقي الإشارات في عمله ومبادراته السياسية، مما أفقد الحقل الحزبي في كثير من الأحيان مصداقيته وكذا ترسيخ ممارسات وتقاليد في العمل الحزبي والانتخابي أساءت إلى التطور الديمقراطي للمغرب.

واليوم يبدو أن هذا النموذج في التدبير السياسي قد بلغ مداه، وأن تلك “الوساطات” عاجزة عن القيام بذلك الدور، ومن ثم فإنه لا خيار إلا في أحزاب قوية تكون قادرة على القيام بأدوارها الدستورية، وما يترتب عن ذلك من إفراز مؤسسات منبثقة بطريقة حرة وديمقراطية تتحمل مسؤولياتها كاملة في إطار الدستور والقانون.

وقد اختار حزبنا أن يكون خارج تلك الثنائية وذلك التموقع، وأن يعمل تبعا لذلك من داخل المؤسسات انطلاقا من الاقتناع بأن الملكية الديمقراطية الاجتماعية البرلمانية المستندة على شرعية دينية ودستورية هي ضمانة للتطور الديمقراطي وحماية لحقوق الأفراد والجماعات. كما اختار في ذات الوقت الحفاظ على استقلالية الحزب والقيام بدوره باعتباره قوة إصلاحية منخرطة في البناء الديمقراطي ومناهضة الفساد والاستبداد، انطلاقا من اقتناع راسخ بأن المغرب بنظامه الملكي وشرعيته الدينية والتاريخية فضلا عن شرعيته الاجتماعية والدستورية، لم يعد في حاجة إلى  “قوة ثالثة “، وأن وجود أحزاب سياسية قوية مستقلة لا ينقص بأي حال من الأحوال من تلك الشرعية أو يقلل من قيمتها، بل على العكس من ذلك فإنه يعزز من قوة الملكية وشرعيتها الديمقراطية والتاريخية والاجتماعية، ومن اقتناع تام بأن الضمانات الدستورية والصلاحيات الممنوحة لرئيس الدولة باعتباره ضامنا لحقوق وحريات الأفراد وحَكَمٍ بين المِؤسسات وأيضا بصفته الدينية باعتباره أميرا للمؤمنين، هي بحد ذاتها مانعة من أن يشكل أي حزب من الأحزاب، مهما كبر حجمه، تهديدا للحريات الفردية والجماعية والاختيار الديمقراطي، وهو ما يجعل  من الحاجة إلى أساليب غير ديمقراطية منتفية من أجل تحقيق التوازن المذكور .

ثالثا : التوجهات العامة للمرحلة

انطلاقا من كون عملية الإصلاح عملية تراكمية، وأن زمنها يتجاوز الزمن الحكومي، فإن حزب العدالة والتنمية قد اختار للمرحلة ولمؤتمره الثامن شعار: “معا لمواصلة البناء الديمقراطي” وهو اختيار يمليه من جهة تقديرنا للطبيعة التراكمية والمركبة للبناء الديمقراطي، وكونه بناء يتجاوز الزمن الحكومي، فضلا عما تراكم لدى حزبنا من التجربة السابقة من ملامسة التحديات والإكراهات، وخاصة وجود إرادات معاكسة للإصلاح تسعى بطبيعتها إلى التحكم في الحياة السياسية وعرقلة عمل المؤسسات وإضعاف فعاليتها وإعاقة انسجامها والسعي المتواصل من أجل خلق التوتر بين مكوناتها.

إن المضمون السياسي لهذا الاختيار لا يعني أكثر من تعميق التوجه الديمقراطي المغرب، كما يعني أيضا تقوية أداء المؤسسات، وتحصين استقلالية القرار السياسي، وإعادة تأسيس السياسة على قاعدة أحزاب حقيقية وتنافس سياسي وإيديولوجي وبرنامجي يعكس التنوع والتعدد الموجود في المجتمع، والحفاظ على حياد الإدارة واستقلالية القضاء، مما يفضي إلى إفراز مؤسسة تشريعية قوية تتمتع فيها الأغلبية بالشرعية التمثيلية التي تؤهلها لتنزيل اختياراتها التعاقدية مع المجتمع بما يضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحظى فيها المعارضة بوضع قوي، يستمد صلابته من استقلالية القرار ومن اختلاف الموقع وتباين الاختيارات والاجتهاد الدائم من أجل التحول لأغلبية حاكمة في الاستحقاقات القادمة.

كما يعني تعزيز والرقي بدور المجتمع المدني ومختلف مكونات المجتمع كي تكون مسهما في الإصلاح تعزيزا وتنزيلا لمقتضيات الديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور.

إن مواصلة البناء الديمقراطي تعني مواصلة التصدي لكل أشكال التحكم وما ترمز إليه من سعي للعودة إلى ممارسات بائدة لم يعد لها مبرر خاصة والمغرب بإقراره لدستور 2011 عمل على إدخال جيل من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقوم على تكريس دور المؤسسات وتحديد طبيعة العلاقة فيما بينها وتوثيقها على أساس الثقة والتعاون بينها، وعلى أساس الوضوح في المسؤوليات والأدوار.

بناء على ما سبق فيمكن تحديد توجهات المرحلة القادمة عموما فيما يلي:

1-    مواصلة النضال من أجل تثبيت المسار الديمقراطي وصيانة مكتسباته:

إن قيام الحزب بمهامه الوطنية، وإسهامه في استكمال البناء الديمقراطي وصيانة مكتسباته، يقتضي منه العمل على مواصلة نضالاته من أجل الإسهام في استكمال الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والقانونية، وذلك من خلال ما يلي:

‌أ.        العمل من أجل تحقيق تطبيع كامل مع قواعد العمل والممارسة الديمقراطية:

ويقتضي ذلك الحرص على مواصلة التأكيد على أن احترام الإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال انتخابات نزيهة وشفافة هي أساس الاختيار الديمقراطي، والضامن لقوة ومصداقية المؤسسات المنتخبة، كما يقتضي مواصلة العمل على استعادة وتعزيز الثقة في العملية السياسية وتوسيع نطاق المشاركة في استحقاقاتها، والقطع مع كل أشكال التحكم في الحياة السياسية والتدخل في الحياة الحزبية وهو ما يدعونا جميعا إلى تعزيز العمل المشترك من أجل تحصين التجربة الديمقراطية المغربية من كل أشكال التردد والنكوص، والتفعيل العملي للاختيارات الأساسية المنصوص عليها في الدستور وخصوصا الاختيار الديمقراطي، وللمؤسسات  الوطنية ولأدوارها، والتعاون فيما بينها مع احترام استقلالية بعضها عن البعض كل في نطاق اختصاصه.

وتفعيل هذا التوجه فضلا عن طابعه المبدئي، يتماشى مع المتغيرات المجتمعية والتحولات الحاصلة في الوعي الاجتماعي وما حصل من تحول متزايد في المنطق الذي ساد لعقود، والذي مفاده أن السياسة هي فقط تدافع نخب ومصالح من أجل تسويات وترتيبات فوقية، وهو ما كان يفقد عموم المواطنين الثقة المفترضة في العملية الديمقراطية وفي المؤسسات السياسية والهيئات الحزبية.

إن المكتسبات التي تحققت في هذا الشأن تقتضي الوعي بأهمية ترسيخها وإعمال كافة الإجراءات والمقتضيات الكفيلة بضمان استمرارها، وعدم التراجع عنها، وهو الأمر الذي يقتضي تعبئة مستمرة وعملا دؤوبا ومشتركا وفعالا مع كل القوى والشخصيات الوطنية من أجل التصدي لكل محاولة للتراجع عن المكتسبات التي حققها المغرب في هذا المجال بفضل نضال فئات عديدة من بنات وأبناء الشعب الطامحين إلى بناء دولة الحق والقانون.

‌ب.   العمل على تحقيق تداول ديمقراطي على تدبير الشأن العام بناء على برامج سياسية واضحة:

إن من مقتضيات تفعيل سمو الإرادة الشعبية، كما هو معبر عنه في الدستور حين ربطه للمسؤولية بالمحاسبة، إعمال الإصلاحات والإجراءات اللازمة التي تمكن من فتح المجال أمام نخب سياسية فعالة وقادرة على تدبير الشأن العام، بما يمكن من الربط الحقيقي للمسؤولية بالمحاسبة سياسيا من خلال صناديق الاقتراع التي تمكن المواطنين من ممارسة حقهم الأسمى في التعبير عن قناعاتهم واختياراتهم السياسية من خلال التصويت، ومحاسبة الفاعلين السياسيين.

ومن مقتضيات هذا التوجه توفير الضمانات الكفيلة بضمان الحرية اللازمة ومنع أي شكل من أشكال التدخل أو التوجيه أو التأثير بالوسائل غير القانونية وغير المشروعة.

ومن المقتضيات الأساسية لذلك أيضا إعادة النظر في النظام الانتخابي بما يؤدي إلى عقلنة المشهد السياسي والحزبي وإعمال مبدإ التداول على تدبير الشأن العام تداولا ديمقراطيا.

‌ج. تكريس واقع دولة الحق والقانون: التي تضمن الحقوق والحريات وترفع سلطة القانون وتعزيز المكتسبات المتحققة في هذا المجال وتوسيعها والتصدي لكل الانتهاكات أو التراجعات والمضايقات على الحريات والحقوق الفردية والجماعية مثل حرية التعبير وحرية الرأي، والحق في التنظيم في الاحتجاج السلمي وفق الأطر القانونية.

‌د.      الإسهام في إطلاق دينامية إصلاحية جديدة:

إن ما يعترض المسار الإصلاحي والتنموي من إكراهات وتحديات وإشكالات بنيوية تسائلنا جميعا، دولة وحكومة وأحزابا ومجتمعا مدنيا، مما يقتضي إطلاق دينامية إصلاحية جديدة مستوعبة للمكتسبات ومثمنة لها، وراصدة للإعاقات والسلبيات ومعالجة لها، والعمل على تأمين المكتسبات الديمقراطية وتطويرها، وعلى مساءلة للنموذج التنموي وسبل تجديده؛ والإشكاليات المعيقة للحكامة الجيدة وطرق تجاوزها وتطويرها، ورهانات إصلاح وتطوير السياسات العمومية في مجالات العدل والإدارة والتعليم والصحة والشغل، مع ما يتطلبه ذلك من تفاعل مع المطالب الاجتماعية، بما من شأنه أن يسهم في إعطاء نَفَسٍ جديد للعملية السياسية واستعادة ثقة الشعب في مسار البناء الديمقراطي.

‌ه.     النهوض بالمنظومة الحزبية والعمل على تعزيز استقلالية القرار الحزبي:

إن التسليم بأن لا ديمقراطية بدون أحزاب قوية ومستقلة، يقتضي إعمال نظام حكامة ديمقراطية للشأن الحزبي الوطني. وهذا الأمر يتعارض وما تشهده الساحة السياسية الوطنية من سعي لإضعاف الأحزاب واستهداف استقلاليتها ومحاولة التحكم فيها والتدخل في شؤونها، وهو أمر لم يكن ممكنا لولا هشاشة المنظومة الحزبية والقابلية في تلك المنظومة لهذا التدخل.

إن استمرار هذا المسار يهدد في العمق دور ووظيفة واحدة من أهم وسائل الوساطة بين الدولة والمجتمع، وما يترتب عن ذلك من آثار سلبية على الاستقرار السياسي والاجتماعي وتزايد الشقة بين الدولة والمجتمع.

2-    إنجاح التجربة الحكومية بدعمها ومساندتها:

إن المسؤولية السياسية والوطنية، تقتضي من الحزب باعتبار رئاسته للحكومة، وباعتباره مكونا أساسيا من مكونات أغلبيتها، أن يسهم في تقويتها والرفع من أدائها، بما يجعلها رافعة من رافعات مواصلة البناء الديمقراطي، والتنزيل الأمثل لمقتضيات الدستور، وإنجاح وتنزيل مقتضيات وتدابير البرنامج الحكومي في أفق يحقق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، ويمكن من التقليص بين الفوارق الفئوية والمجالية. كما أن مساندتها تستدعي الدفاع عنها والمساهمة في تأطيرها سياسيا، والعمل على خلق أوسع اصطفاف سياسي داعم لها، بما يجدد الثقة في تجربتها، ويصحح تمثلات المواطنين اتجاه قدرتها على استئناف أوراش الإصلاح.

3-    الارتقاء بأدائنا التدبيري في الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية

وذلك من أجل أن يسهم تدبيرنا للشأن العام بشكل فعال في تعزيز البناء الديمقراطي وخدمة مصالح الوطن والمواطنين وتعزيز مسار الإصلاح وفي الاستعادة التدريجية لثقة المواطنين في العملية السياسية والمؤسسات المنتخبة.

كما أن هذا الارتقاء يعتبر شرطا كي يظل حزبنا قاطرة للإصلاح والريادة في جميع هذه المجالات، مع ضرورة العمل والنضال من أجل إعطاء الجهوية والديمقراطية المحلية المدلول الدستوري المنشود، باعتبار ذلك مسلكا لإعادة بناء دولة الحق والقانون، على أسس تمكن المواطن من مشاركة أكبر في صناعة القرار العمومي وتدبير شؤونه العامة.

4-    تأهيل منظومتنا الحزبية في أفق استكمال بناء حزبي عصري نموذجي

ولكي يضطلع الحزب بمهامه ويكون أهلا لتفعيل التوجهات المذكورة يتعين مواصلة تأهيل الحزب فكريا ومنهجيا وسياسيا وتنظيميا للقيام بمهامه الدستورية باعتباره فضاء لتأطير المواطنين وذلك من خلال:

–      النهوض بالحوار السياسي الداخلي من أجل تطوير ثقافة سياسية مشتركة في التعاطي مع المتغيرات السياسية؛

–      توسيع نطاق التأطير الفكري والمنهجي والأخلاقي حفاظا على القيم المؤسسة للحزب والتي تعتبر من أبرز مظاهر قوته وضامنة لاستمراره؛

–      تعزيز انفتاح الحزب على الكفاءات المجتمعية من خلال توسيع بنيات الاستقبال مع النهوض بمهام التكوين من أجل تعزيز وتقوية الجاهزية النضالية؛

–      تطوير المنظومة التنظيمية الحزبية بما يتناسب مع الأدوار والمهام المنتظرة من الحزب في أفق بناء حزب عصري؛

–       الارتقاء بأدائنا التدبيري الجماعي والحكومي والبرلماني في أفق أن يظل حزبنا قاطرة للإصلاح والريادة في جميع هذه المجالات؛

–       العمل على تفعيل دور الحزب في إنعاش الحياة السياسية وذلك بتقوية وتنويع سبل ووسائل التواصل مع الشعب والالتحام بقضاياه وتطلعاته، وإعادة الاعتبار لنبل السياسة وترميم الثقة المجتمعية في مصداقية ورقي العمل السياسي.

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

adminatoh